منتديات اصحاب امين
اهلا وسهلا بكم في منتديات اصحاب امين نتمنى لكم قضاء وقت ممتع معنا ويشرفنا ايضا التسجيل معنا وان تكون احد اسرتنا المتواضعة...تحيتي...امين

منتديات اصحاب امين

منتدى عام يمكنك من الاطلاع على اخر اخبار العالم العربى
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  
يمكنكم الان تحميل تولبار المنتدى وذالك بمراسلة مؤسس المنتدى
مرحبا بكم في منتديات اصحاب امين
اخواني الاعزاء انا اسف اذا كنت قليل الدخول الى المنتدى و هذا بسبب الدراسة اسف
يا داخل المنتدى صل على خير الخلق عليه الصلاة والسلام
الرجاء من يدخل الى منتداى المتواضع الدعاء لي النجاح والتوفيق
one.two.three.viva lalgeria
معاك يا لخدرا ديري حالا
الشيء اللذي لم تقله هو الشيء اللذي اسمعه دائما
نرحب بكل الاعضاء الجدد..واذا لم تكن عضوا معنا ندعوك الى التسجيل
مرحبا بكم ايها الزوار نتمنى منكم قضاء وقت ممتع معنا..ونتمنى ان تسجلوا معنا
طاقم المنتدى يرحب بالعضو المهندس جلال وعمو جلال الي نور المنتدى
اذا سجلت وتلخبطت عليك الاحوال اي في المنتدى راسل الادارة
قريبا سنفتتح موقع اصحاب امين الفي بي ....نتمنة منكم المشاركة
عشقتها عشقا لكنها لا تدري بذلك ابوح لها لا استطيع لكن اعرف ان اسمها يبدأ بحرف ل
اهلا , نعم انت الذي يقرأ الآن في الاعلانات ..نعم انت المهم تعالى وسجل معنا في المنتدى
هنيئا للامة الاسلامية بقبول شهر رمضان الكريم.. وكل عام وانتم بخير

شاطر | 
 

 موسوعة قصص لكاتبنا الجزائري العظيم طاهر وطار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
امين
المدير العام
المدير العام
avatar

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 406
تاريخ التسجيل : 05/06/2009
العمر : 22
الموقع : http://benaissa.ahlamuntada.com
SmS : اذا اردت شيء بشدة فاطلق صراحه اذا عاد اليك فقد كان لك من البداية اذا لم يعد فهو لم يكن لك من البداية........ امين
تحيتي

مُساهمةموضوع: موسوعة قصص لكاتبنا الجزائري العظيم طاهر وطار   الإثنين أبريل 05, 2010 12:14 pm

الطاهر وطار
الطعنات
قصص
الطبعة الثالثة
الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر -
الطاحونة
بالرغم من حرارة الشمس الشديدة، شمس الظهيرة وشمس جوان، لم أهدأ في مكان، ولم يستقر
لي قرار لم أكن قلقًا أو مضطرب البال، لا بالعكس،بحثت في أعماق نفسي عن أثر للقلق
والاضطراب، فلم أعثر،كنت هادئا هدوء غابات الجبال المحيطة بنا، بعد أن توقفت الحرب
الطويلة، المريرة، ومع ذلك لا يقر لي قرار.
طفت بعدة مكاتب، لكنها كانت خالية، الجنود نيام، أو على الأصح مبعثرون،في الخيام وفي
البنايات الخشبية والحديدية، وتحت الأشجار هنا وهناك.. . بعد صبيحة مرت ساعاتها ثقيلة،
ثقل الفقر، والاضطهاد والعسف، لأنه ما من أحد يعرف بالضبط، ما هو عمله، وما هي فائدته
إن عرفه، المساكين يحيون ,نحيا،كما لو كنا في معتقل رهيب،لا في مركز، من أهم مراكز
جيش التحرير،اليوم وأهم قلعة للعدو في قلب الأوراس، بالأمس القريب.
هذه المكاتب الخالية من كل أثر للحياة، تعبر عن نفسياتنا.. . الغبار ينتثر على كل شيء،
الجدران، المقاعد، آلات الرقن، المناضد، حتى أقلام الرصاص.. . والأوراق مبعثرة في كل
مكان الأرض، الرفوف،المناضد، كان بعضها أبيض يليق للكتابة، أو لم تلوثه أقدام، يبدو أنها
حائرة، وكان بعضها قد كتب عليه سطر أو اثنان، استطعت أن أحرز بكل بساطة، أن كلماتها
لا تتجاوز ما حفظناه منذ السنوات الأولى لاندلاع ثورتنا(الجمهورية الجزائرية) (جيش وجبهة
التحرير الوطني) وبعض كلمات أخرى أحفظها عن ظهر قلب . ..
مسكينة هذه المكاتب، لا تستطيع أن تنظم نفسها بنفسها.. . الثورة أول مهمة تنجزها هي
تحطيم الشكل القديم للمكاتب، خطر ببالي، مساكين أيضا أصحاب هذه المكاتب،أبناء الفلاحين
الفقراء والعمال الكادحين ومعلمو القرآن، الذين تحولوا إلى جنود وإلى ضباط بحكم البذلة
العسكرية،لا تستطيع نفسياتهم أن تنتظم عفويا ومن تلقاء نفسها.. . الثورة ليست عاصفة
هوجاء تقتلع الأشجار وتخرب السدود وتحطم القرميد،إنما غيث سحساح، يجرف الطحالب
والأغصان الهشيمة ويغذي العروق الحية، لتزهر الحياة وتخصب وتثمر.
آه. لو كلفت بمهمة لحققت.. . تفكر في المسؤولية؟ الناس كلهم متعطشون للمسؤولية فحين
يفقد العمل الثوري محتواه وتبقى المسؤولية شرفًا وأوسمة، يتسابق إليها كل خامل…لكنني فقط
أريد أن أعمل أن أنجز شيئا، شيئًا يشبه المعجزة في هذا الوسط، أنا لا أريد المسؤولية لذاتها
ولا أريدها لنفسي، إنما أريدها لإمكانيات الإنجاز التي تسمح بها . ..
لا.لا. لن يتركك أحد تعمل، سينقطون عنك كالنسور الجائعة لن يتركوا حجة تقوم ضدهم.
فالأمس القريب كان المثقفون يذبحون، تلك الذهنية ما تزال قائمة، إنما بدل الذبح اليوم هناك
التجييف.. . الثورة التي لا تتخذ المثقفين الثوريين سمادا لها ستظل نسير عرجاء.
خطر ببالي، وقلت في نفسي:
الطاحونة تدور، والجعجعة تملأ الآذان.. وما من أحد ها هنا في حاجة إلى الطحين، ولا إلى
الحجة .
لم تؤثر في هذه الخواطر، فقد ألفتها وألفتني، وظللت هادئا، تاركا الحرية لقدمي تجرانني حيث
شاءتا وليدي تسويان القبعة على رأسي، وتحجبان بها الشمس عن عيني.. . لا. الحق أقول
الشمس ليست هي السبب في عبث يدي بالقبعة، فمن عادتهما أن تضعاها على جبيني حتى في
الليل .وقد كان ذلك يحلو لي باستمرار، ربما لأنه يخفي عيني، أو يميزني عن سائر الجنود
ولربما لأنه يستفز المسئولين ويحرجهم،، فيتحاشون الحديث معي، وهذا ما أريد.. . لا لشئ
إلا لأنني سئمت الجعجعة.
بينما كانت قدماي منهمكتين في عملهما، ويداي كذلك، انطلق بصري متخلصا من باطني . ..
العلم يرفرف، متحديا ثقل الجو، كأنما هو بدوره يريد إنجاز معجزة ما، أو كأنما يريد أن يلفت
الأنظار إلى أن العلم المثلث اختفى من الأوراس إلى الأبد الآبدين.. . لا. لن يفهمك أحد أيها
العلم، وكفاك أن تحيى في الصباح وفي المساء، فإن الطاحونة تدور، والناس منشغلون
بالجعجعة، ولن تكون حجة أنت أيضا . ..
انتقل بصري دون أن أدري للجبال، كانت تشكل دائرة تحيط بالمركز، ترتفع تارة، وتنخفض
أخرى، بيد أن قممها كلها تتصل مباشرة بالسماء.. . في الليل تمكر بالقمر فلا يطل علينا إلا
حين نكون في غنى عنه، وفي الصباح تؤخر عنا الشمس فلا تداعبنا أشعتها إلا حين نكون قد
بدأنا نسترخي، وفي المساء تسارع بإخفائها فيداهمنا الليل قبل الأوان.. . هذه الجبال أشبه ما
تكون بالمسئولين، سالت في كل شبر منها دماء شهداء، وانطلقت من وراء كل صخرة بها،
رصاصة من بندقية رجل، وعصفت بكل شجرة فيها قنبلة، أو زفرة حرى لكنها مع ذلك تمكر
بالقمر وبالشمس فلا يطلان إلا بعد فوات الوقت . ..
بدأت تهذي، وتفكر، هذه معنوياتك تهوي، إلى القعر.. . لمت نفسي.
وانخفض بصري، رويدا، رويدا، حتى استقر قرب المطبخ.. . كان هناك صبيان نحيفان،
حافيان قذران تغطي جسميهما أسمال بالية لاهي بالمدينة، ولاهي بالعسكرية، تتدلى شعورهما
على عيونهما، في يد كل منهما علبة طماطم كبيرة، من مخلفات جيش العدو، ثقبت وألصق
فيها خيط قذر، فصارت سطلا لا يفارق أيدي الأطفال إلا حين يتمددون ليداهمهم القمل والنوم،
والأحلام اللذيذة . ..
اقتربت منهما، فبادرني أحدهما:
-عم. أعندك ______________خبز.. ؟
هذا الصغير الذكي، ينظر إلى يدي الفارغتين وإلى جيوبي الشاحبة ويعرف أنني في الخلاء
مثله، ويرى أنني ككل من هاهنا أدخن العرعار بينما جنود(القوات المحلية) يدخنون التبغ
الأمريكي.. يسألني هذا السؤال؟.
هذه تحية.لا.كلمة السر. لا. تبرير لوجوده داخل المركز.. . بطاقة تعريف وهوية.. المسكين
خائف.
هذه الأنوف الدقيقة المستقيمة، وهذه العيون الزرق، وهذه الذقون الحادة ,والوجوه المستطيلة..
هذه السيما البربرية الخالصة، هؤلاء أحفاد الكاهنة الذين مازالوا حين يتصافحون يقبلون
سباباتهم راسمين إشارة الصليب، وكأنما هم في عهد الفتوحات، أو في عهد اضطهاد
المسيحيين الأول، حيث يعنون بذلك:
-مسيحي .فاسكت.
-هؤلاء ما بهم؟
البشر حين يجوعون يذلون ولو كانوا أحفاد الكاهنة . ..ًٌ
-من أين يأتيني الخبز يا عزيزي؟ لكن سأعطيكما بعض الدراهم.. . فانتظرا حتى نتعارف ..
.
تهالكت قرب الصبيين في ظل جدار المطبخ، وخيل لي أنني أسمعهما يهتفان :
ما أطيب هذا الجندي
كان أحدهما يحدق في بعينين طروبتين، وابتسامة عذبة بريئة، تترقرق على شفتيه، أما الآخر،
فبدأ لي منقبضا، متضايقًا، حرجا لا يرفع بصره عن الأرض، تجثم على محياه عبسة خجول.
آه. يا صغيري العزيز، ألا يسرك وجودي؟ لو تعلم كم أنني أحبك.
تأملته برهة ثم قلت محاولا إزالة الكلفة بيننا:
-ألا تقرآن؟ . ..
-نقرأ في (الجامع) القرآن عند( الطالب) ونقرأ في المدرسة أيضا.
في المدرسة أيضا؟
-في مدرسة جيش التحرير… لا نقرأ كثيرا ..وسيدي لا يعرف الفرنسية.. والبنات أيضا
يقرن معنا.. وحتى الأطفال الكبار.
-شيء حسن جدا.. . بداية طيبة هذه، ستتحسن الأمور في المستقبل القريب.
-ويكثر الخبز أيضا.. أليس كذلك؟
-نعم. نعم. ستتبدل الحياة تماما.
-لكن يقولون إنكم سترتحلون؟ بالأمس ارتحل الجيش الفرنسي واليوم . ..
غمغم الصبي، ثم أطرق يفكر كالمنكوب، وفهمت دون أن يتكلم أنه يقول متألما:
-ترتحلون أنتم أيضا.. ومع ذلك تظن أن الحياة ستتبدل تماما، أتعني أن الخبز سينقطع؟
-سيكثر الخبز.. . لن يتصدق عليكم به أحد، لكن ستنالونه باستحقاق، انظر إلى هذه الأراضي
الشاسعة، إنها ملكنا جميعا، وهي غنية، تعطينا إلى الأبد ما يكفينا خبزا وخضروات وغلالا،
كان الاستعمار يشغلنا عن أرضنا، لكننا اليوم . ..
-أبي استشهد . ..
وتوقفت الكلمات في حلقه.
قيل لي إن كل الأطفال الذين أراهم يتهافتون على المطبخ، صباح مساء في انتظار ما يتبقى
من "فضلات" في صحون الجنود، أبناء شهداء.
-وأنا لا أقدر على حراثة الأرض.. . أريد الخبز، والقراءة.
-ما اسمك يا عزيزي؟
) -بسعو(
اسم جميل جدا.وأنت يا ولدي، لماذا تسكت كثيرا؟
ما إ سمك؟
) -قاقا(
لفظ اسمه بصوت لا يكاد يسمع.. انه خجل لست أدري لماذا.. ؟
حاولت تناسيهما والخبز معا، لكن(زوجة وزير في (حكومتنا الثورية أنفقت بتونس في ظرف
يومين قرابة المليونين).( ومصالح القادة الجاسوسية تنفق يوميا عشرات الملايين ).( . ..
والقوات المحلية تعوم في الذهب).(والعالم كله يتبرع علينا) ( والخيرات مخزونة عند
الأغنياء)، ( وأبناء الشهداء يتضورون جوعا.(
الطاحونة تدور، الجعجعة تملأ الآذان.. ولا أحد يسأل عن الطحين، والحجة ينبغي أن لا
تقوم.. . والجبال تمكر بالقمر والشمس فلا يطلان إلا بعد الفوات.. . آه. لو كلفت بمهمة..
تفكر في المسؤولية؟ تطمح إليها؟ لو يسمعك أحد يقهقه.
) -قاقا) ما بك؟ ألا يسرك وجودي قربك؟ وأبوك، أين استشهد؟
احمرت وجنتاه، وتندى جبينه عرقًا،واضطرب السطل في يده.. . وكادت عيناه تغوران وفجأة
بادرني:
-ليس لي أب، لا أب لي، لا أعرف أبا.. أبدا اقسم لك.
واعتراه الخجل.. . هذا الصموت.. (قاقا) ماذا يخفي وراء كلماته؟
لو كنت ابن شهيد لأنكرت ذلك، وأقسمت على أنني لا أعرف لي أبا.. ما أحكم (قاقا).. أما
)بسعو . ..
ألقيت عليه نظرة فوجدته يبتسم في خبث .. " بسعو "، عم تنطوى بسمته ونظرته؟
التقت عيون الصبيين ففهمت أن هذا الحوار يدور بينهما:
-أأطلعه عن الحقيقة؟
) -بسعو) كن عاقلا.. إياك، سأقاطعك منذ اللحظة.
-لكن. إنه طيب ..وسيعطينا النقود . ..
-سأترككما إذن يا (بسعو.(
قال (قاقا) وطأطأ رأسه مرة أخرى، واعتراه الخجل أكثر.. . هل كان أبوه قائدا بطلا؟
بالأمس سمعتهم يتحدثون عما تقاسيه زوج ابن بولعيد وابنها من فاقة وعوز،اقتسمت الثورة
والاستعمار أموال ابن بولعيد الطائلة. الاستعمار ارتحل، وأبناء الشهداء يتضورون جوعا،
والطاحونة . ..
شعرت بالدوار ورفعت بصري إلى العلم، يرفرف وتشخص لي (كافكا) يوقع على المسخ . ..
لا. (هوغو) الأيدي القذرة، يطلق الرصاص. لا (جوبيتر) الذباب.منهوشًا. كلا(بابلو (لمن تدق
الأجراس يصارع السقوط.. لا.الأمير عبد القادر يوقع وثائق الاستسلام.لا.ناكر وتاريخ
الجزائر يترأسون حكومة الثورة.. . وبدأ لي أن قدمي تغوصان في الوحل وأنني أنجذب
فأجذب إلى أعماق هاوية سحيقة.
لست أدري كم من لحظات مرت حين استفقت على ) قاقا) يسترق ربع نظرة إلي، خفض
بصره فربت على كتفه.. كانت عظامه ناتئة حادة.
) -قاقا) إنني أخوك.انظر ______________إلى (بسعو) كيف هو مرح. تأكد أن كل شئ سيتبدل عما قريب.
وتساءلت في نفسي هل أومن بما أقول، ثم أضفت:
-أصحيح إنك لا تعرف أباك ؟
-أبوه حركي، وهو الذي قتل أبي .
قال بسعو، هازئا، فخورا، متشفيا، ضاغطًا على الكلمتين لأخيرتين.. قتل أبي.
انتفض (قاقا) كما لو أن قنبلة غير متوقعة، انفجرت، ونهض واقفًا يحاول الهروب.. تشبثت
بذراعه الصغيرة، وأجلسته بعد لأي، فارتمى علي، وانفجر باكيا. ليس من حق(بسعو) أن
يفضحه أبدا.. لكن حين نظرت إليه قرأت في عينيه:
-قتل أبي
-لكن يا( بسعو) ما ذنب (قاقا)؟ ليس هو الذي قتل وليس هو الحركي، ولو كان كبير لإلتحق
بالثورة، وتغيرت حياة أبيه رأسا على عقب.. أكنت تقتل الحركيين يا قاقا لو كنت في الغابة
مجاهدا؟
استعنت بكل ما أملك من خبرة، وبكل اللهجات، لأقنع الصبيين بما يبدو لي أنه الحقيقة.. وبعد
جهد احتضنني (قاقا) وطبع على جبيني قبلة حارة هامسا:
أنت طيب.
تذكرت قصة الرفيق(ماكرنكو) قصيدة تربوية.منذ قرأتها أحببت الأطفال، وبت أحلم لو تتاح
لي فرصة فأطلق نظريات (ماكرنكو (في التربية.
قد تتاح في فرصة ذات يوم.. . هذه الجبال المحيطة بنا في شكل دائرة ,تمكر بالشمس
والقمر، فلا يطلان إلا حين نكون في غنى عنهما.
قال( بسعو) ضاحكا ,فتبسم (قاقا)، ونقر سطله ليصرخ:
-خاو كما ترى.
-أمهاتنا ينتظرن، وأخوتنا يبكون.
-أضاف(بسعو.(
انطلق بصري نحو السماء.. العلم يعربد.. . مع ذلك ضحكت ..
ثم تأملت مركز التجمع حيث يقطن الصبيان وكل أهالي الجهة أكواخ قاتمة يغطيها الديس
والتراب منثورة على الأشجار والصخور تجف، كانت ألوانها رغم التعاسة ناصعة مزهوة، لا
أثر للدخان أو لل************، بعض أحمرة مطأطئة قرب أكداس أعواد جافة هدوء شامل يخيم على
المركز، فبد لي مقبرة مهجورة، سكون عميق يلف المنطقة باستثناء صوت طائر ينبعث من
الصخور البعيدة :
-طيكوك طيكوك
في الماضي، كان الصوت يبعث الحيوية في الحياة، إن يستفسر العجول فتهج راكضة وذيولها
تصفع في مرح الذباب ,لتتبعها البقرات والأطفال نحو الوديان الرقراقة. أما الآن فما أثقل هذا
الصوت الحزين، لأنه لا يثير إلا الذكريات البعيدة.. . لا الهمم لمواصلة المهام الثورية ..قد
يكون صوت شهداء الأوراس.
-عم. ما بك ؟ انك توشك أن تبكي
-لا شيء. لكن الجندي كما تعلمان فقير أيضا ليس معي سوى عشرين دورو، هاهي،
اقتسامها.. سلبتما كل ثروتي أيها الشيطانان
-أنت طيب جدا.
ردد قاقا، أما " بسعو " فقال مقهقها:
-ينبغي أن نحذر اللصوص ونحن في طريقنا بهذه الثروة يا قاقا وقبل أن نفترق سألني " بسعو
" في حذر القطط :
لم أرك في مطبخ الجنود، أتأكل هناك ؟
وأشار بإصبعه الوسخة مضيفا :
الآخرون يسألوننا، هل لنا أخوات.. البارحة أمي وأختي طردتا با لعصى ضابطا اقتحم كوخنا
-نعم، آكل في المطبخ الضابط.. مع أنني لست ضابطا
-لا يتركوننا أبدا نقترب من هذا المطبخ.
قال قاقا .
خيل لي وهما يبتعدان، أنهما يسيران في بركة دم متشبثين بالخبز، وعلى ظهريهما أكياس
يحملانها إلى الطاحونة على الضفة الأخرى، ليعبثا جعجعة جديدة، ولكن بالطحين هذه المرة.
1963
الأبطال
وضع القلم والأوراق جانبا، وأشعل غليونه، وراح ينفث الدخان بدون انقطاع، ويلعن من قلبه،
أبطال قصته، الذين توقفوا عن العمل.
هؤلاء الأنذال، كأنما نسوا، أنني خالقهم، وأنه في وسعي بين لحظة وأخرى ,أن أميتهم..
الملاعين، المتنكرون، نخلقهم، ثم نحار في أمرهم، منهم لأعدمهم، لأجعلن خاتمتهم شر خاتمة.
ثم أعاد الأوراق أمامه، وحمل القلم للمرة المائة، لكن ما لبث أن ألقى به وبالأوراق، ليعود إلى
الغليون، ينفث دخانه الذي كاد يغطي جدران الغرفة الضيقة حوله، فيحولها إلى فكرة سوداء،
تتكور في رأس شرير شقي.
-الأبطال. أبطال قصة ما. ما هم؟ لا شيء.. مجرد حروف سوداء، على ورق أبيض،
تتهددهم بين لحظة وأخرى ,سلة المهملات.. جرة قلم فقط.. قرار الخالق.. فيمسخون، إلى
مجرد حثالات عادية ,بمضغون الأشواك الجافة، وسط القطيع الأعمى، الأحمق . ..
-لا، يا سيدي، لا. إنك مخطئ.
هز الصوت رأسه إلى الباب الذي يبدو من خلال الدخان، كما لو كان بسمة في فم منافق.
-من أنت؟
-أنا عمار بن بوجمعة، شهر ( لاندوشين).. أسمر اللون، صغير الرأس، ضيق الجبين، ضيق
العينين، عريض الوجنتين، أحمل في إحداهما وشمة مكوية بالثوم، شفتاي غليظتان، أسناني
مطلية بالذهب ذقني ناتئة مستديرة، أرتدي سروالا حوكيا، على رأسي عراقية سميكة،
منسوجة من الصوف والحلفاء، وفي قدمي حذاء أمريكي جاف، ممزق ومشدود بسلك مهترئ،
أكله الصدأ …أنني كما ترى حسب ما خلقتني، لأنفذ إرادتك.. أتسمح لي سيدي بالجلوس،
فإنني مرهق كما أردت.
-تفضل. إجلس.. لقد جئت في الوقت المناسب.
قال الكاتب، وأصابعه منشغلة بإدارة الغليون، لنطفئ التوتر الذي يلهب أعصابه، وعيناه
عالقتان بالباب الذي انبعث منه، صوت ثان.
-وأنا يا سيدي ا.
من تكون؟
-ألم تعرفني؟ ا أو ينسى الخالق مخلوقاته؟ أنا واحد منها يا سيدي الكاتب . ..
إن البلادة لتفوح منك.من أنت؟
-لقد أردت أن أكون بليدا ..بالمناسبة احتج على ذلك، فلطالما، احتج المخلوقات في غياب
خالقهم …وتنموا أن يستفسروه في أشياء…آه. يا سيدي. كنت تقول : نخلقهم فنحار في
أمرهم.. أن كلامك هذا لصحيح، فأنت كما يبدو، لا تتحمل بلادتي التي رزقتني بها.. قه
قه.هاها.. ترى إذا لم يتحمل الخالق ما خلق، كيف يكون مصير المخلوقات.. إن الضحك
يغلبني.. المعذرة، قه قه.. هاها.. ألا يبدو لك، سيدي، إن شر الأعمال هي الخلق ..
على أية حال، تسألني من أنا؟ آه من أنا ؟ أجهل نفسي لحد الآن، أولا تذكر أنك لم تعطني
اسما بعد ا؟ بيد أنني أقدم لك نفسي، بهذه الصفات التي وهبتني إياها.
أنظر، طويل القامة، كبير الأنف بشكل فظيع، واسع العينين، في خدي الأيسر، أثر رصاصة،
أصابتني في الهند الصينية، حين كنت متطوعا بالجيش الفرنسي، أسناني بارزة كأسنان
المشط.. كما خطت يدك الكريمة.. أرتدي سروالا عسكريا قديما، مرقعا من الخلف بخيط غير
مناسب للونه، مما يجعله يبدو كرأسي الأقرع، حين أنزع عنه (رزتي)، وأتأمله، متخفيا في
مرآتي الصغيرة ,التي لا تفارق جيبي، والتي لولاها لما كان شاربي، على هذا الشكل الجميل
كما ترى ,أميل كثيرا إلى المشاكسة والمعاكسة، ولا يهمني، في حياتي، سوى جمع أخطاء
الغير ..تزوجت دفعة واحدة، أربع نساء، وطلقتهن دفعة واحدة أيضا.
أظن سيدي أنك عرفتني ..أنني متعب منهمك، فمنذ ساعات، وأنا وراء تجميل شاربي..
ارحمني يا خالقي أجلس لقد عرفتك، واسمك "معروف بن بادي" ’ شهر "موسطاش" حضرت
في الوقت المناسب.
-أجاب الكاتب، وهو يواصل البلحقة في الباب، وامتصاص الغليون ونفث الدخان.
-ما نحن بأنذال، ولا بملاعين، ولا بمتنكرين، يا سيدي الكاتب، حتى تلعننا، وتصب علينا جام
غضبك ..
-إن الخالق لرؤوف بمخلوقاته.. المفروض هذا.. فهي مجرد رغبات له، مستقلة عنه، منطلقة
عن إرادته، بإرادتها.. هذا شأن، كل الرغبات، إنما في الغالب، عمياء ,وحمقاء في نفس
الوقت.. لولا ذلك لانعدمت الحياة.
-آه. أهذه أنت، خديجة بنت الإمام، الأديبة الظريفة الجميلة، تفضلي.
-لا يا سيدي، أنا (رهواجة) القالمية، بنت قدور الصائغي، ماتت أمي، منذ ثلاثة سنوات،
لأبقى في خدمة أبي الذي رفض أن يتزوج بي في جهنم زوجات الآباء، فأبى أن يتزوج قبل
أن يشتد عودي رغم أنه صغير السن، لا يتجاوز الأربعين. أحفظ ربع يس، وأحسن نسج
الزرابي، وفتل الكسكسي، أهوى كثيرا المناديل الحمر، وأعشق (القوفية) التي ورثتها عن
أمي، ويطيب لي كثيرا، أن أرى النساء في الحمام معجبات بما يزينني من فضة، لا ينفك أبي
يديجني بها، طويلة كالصفصافة، وردية كنوار الدفلة، صدري صارخ اللأنوثة، رقيقة الخصر،
غليظة الفخذين ,شعري طويل فاحم كثعبان الزوبعة، عيناي في سواد الزيتون، شفتاي، كحبة
كرز طرية.
أما.. آه.يا سيدي، إنه لمخجل، أن أتحدث أمام هذين الغريبين، اللذين يجلسان من حولك عن
بقية صفاتي، وما أجرجره ورائي من ثقل ..
إنك تعلم.. فمن صفات الخالق معرفة مخلوقاته.. أتسمح لي بالجلوس، فقد أرهقني النسج، منذ
الفجر.. ؟
-إن ذهني ,باستمرار، منصرف إلى خديجة، بنت الإمام الأديبة الظريفة الجميلة، بطلة القصة
المهملة.. حقًا نخلق الأبطال، ثم نحار في أمرهم؟
-ردد الكاتب في نفسه، ثم رفع صوته مخاطبا رهواجة:
-تريدين أن تقولي : أما رغبتي في أن يتزوجني رجل ثري، يستطيع إبدال فضتي ذهبا، فهي
لا تكاد تفارقني ليل نهار.
ما كان يليق أن تخجلي ,فبين الخالق والمخلوقات، حين تزول الوساطة، ترتفع الكلفة، ليحل
محلها، الصدق ,والصفاء، اجلسي يا رهواجة.
أهذا ما تعلم يا خالقي؟ ا حسن جدا، فليبق الثقل على كاهلي وحدي ..
-أعلم، أعلم، منذ أشهر وأبوك يضاجعك.. غير متعلق، ذلك، بإرادتي أو رغبتي، كل الأمم،
يضاجعها ماضيها.. وتحبل منه.
-آه، أتنفس الصعداء، وأشعر بالعبء ينزاح.
اعتدل الكاتب، في جلسته، وامتص نفسا طويلا من غليونه، سرعان ما نفثه، دخانًا أسود،
أضفى على الحجرة، حدة الفكرة السوداء، التي بدأت تكتمل في رأس شرير شقي، ثم توجه
إلى أبطاله من حوله:
-رائع جدا.الآن وقد حضرتم، وخلقكم مكتمل، ينبغي أن تفهموا، ما سأكلفكم به، لتنجزوه، بكل
دقة، حسب إرادتي.
-آه ,سيدي، إن من لا يعرف دوره، يظل منقوص الخلق.. ونحن حضرنا إلى هنا لنفهم
دورنا، بعد أن أعيتنا الدوامة التي ظللنا نتخبط فيها، في فكرك . ..
قال عمار بن بوجمعة شهر" لا ندوشين: "
-إحتفظ بحق الاعتراض خالقي، أو على الأقل بحق الاحتجاج.. والتمس شفاء قروح رأسي،
وأني أتوق لتعريته.. ضع الخمر في طريقي وأمرني بما تشاء، فحين أسكر يخف ألمي.. أن
ألقيتني في بحر أو نهر، أو بركة، فاجعل المياه خمرا.
أضاف معروف بن بادي شهر "موسطاش".. فتمتم الكاتب:
-كالتاجر، كالحواري، لا يستطيع العمل إلا بالتخذير.. من يخدر يخدع، وأنا آمرك، ولا
أخادعك.
-ما أروع ما تقول.. عذب كالأغراء، كالتزحلق نحو الخطيئة، كالقبلة في الظلام الدامس.. يا
إلهي ماذا أقول؟ لم أتعود إرتكاب الإثم إلا في السر، وها أنني.. سيدي الكاتب، تقول خطاياي،
مع أبي ,ليست من صنع إرادتك، ورغبتك، فهل تستطيع محو الماضي من رأسي، وتخليصي
من نهمه، واستسلامي كالنعجة الحلوب. الذنوب الكبرى رائعة، لكن معصرة الندم شديدة
الوطأ.. آه، لو كنا نعيش زمنًا واحدا.. إما الظلام الدامس، حيث نتزحلق ونتزحلق في الخطايا ,
ونتلذذ ونتلذذ المحرمات، حتى نتلاشى.. وأما النهار السرمدي، فنرشف ونرشف الأشعة حتى
نتبخر، ملائكة أبرارا.. بأجنحة حمر، وبدون خطايا الآباء.. آه، خالقي . ..
رددت رهواجة القالمية بنت قدور الصائغي وعيناها السوداوان مغمضتان فقاطعها الكاتب:
-ما التهمة الزمن من أفعال، لا تمحوه الإرادات، ولو كانت الآلهة .. رهواجة لازمي ,إزاء
خطاياك، صمت الأمم الزانية مع ماضيها.. ولا تتألمي كاليسا ريين المستعجلين للثورة
والخلاص.
إمتص الكاتب نفسا طويلا من غليونه، وراح ينفث الدخان القاتم رويدا رويدا، ثم واصل:
-هي ذي أدواركم يا أبطالي الأعزاء.. . أنت يا عمار ,بن بوجمعة شهر "لاندوشين"، بعد أن
تفرغ من بيع عنزاتك، في أمسية مضببة، غائمة ,تمتطي بغلتك السوداء، وتتجه عائدا إلى
منزلك في البادية، وقبل أن تغادر القرية ,تعترض طريقك خارجة من الحمام، عملاقة تلتحف
السواد، وتحمل حقيبة في يدها، فتوقف بغلتك، وتظل تبحلق، ثم تكشر عن أسنانك الذهبية،
فتنبهر العملاقة بالذهب، وتمديدها لترفع الخمار.
-الهي ا هذه الحورية من تكون؟
ثم تمر وئيدة مختالة، تتبعها ببصرك لحظات، ثم تمشي وراءها، مطأطئ الرأس، كأنك في
جنازة.. إلى أن تصل منزلها ,تلتفت برشاقة نحوك، تزيح الخمار، ثم تبتسم وتتدلف.. يصطفق
الباب، فتبقى حائرا مبهوتًا، ثم تتنهد من أعماقك، وتدير بغلتك، فتفاجأ بقدور الصائغي يحمل
سلة غلال ,وقارورة ملفوفة في ورق رمادي.
-أهلا، ومرحبا. ماذا تفعل هنا؟
-في طريقي إلى باديتي.
-أفي مثل هذا الوقت، وهذا الطقس الغائم المضبب؟. ينبغي أن تبيت عندنا، يا ******وني المحترم
تتردد، فيقسم، فتنزل من فوق بغلتك، وحين تقتران من باب المنزل، يضظرب قلبك، وتهمس:
-أبيت في منزل الحورية.. يا لفانوس علي بابا السحري.
وحين يدلهم الظلام، ويخيم السكون، يخرج قدور الصائغي، ويعود بعد لحظات ,فيلفحك
برائحة الخمر، وتتذكر القارورة الملفوفة، في ورق رمادي.. يحدثك عن السياسة ,فلا تفهم..
وبعد تردد، تذكر له، أنك سمعت، بأن له بنية، وانك تطلب يدها.. . فيقبل ,شرط أن تقطن
معه.. فترفع بصرك، لتراها خلف الأسترة تبتسم، فتكشر عن أسنانك الذهبية ,وتعلن أنك
راضخ لكل الشروط . ..
تبيع أرض والدك، وتشتري الذهب، وبعد أسبوع، تدخل عريسا على رهواجة، تملا. تفوح
منك رائحة العطر ممزوجة برائحة الخمر.. فلا تفطن للبكارة المفتضة ..
يمارسك قدور الصائغي، فيدخل السياسة في رأسك، وما أن يمر شهر حتى تندلع الثورة. وفي
صبيحة ممزوجة، بالكآبة والبهجة، تودع زوجتك وداعا أليما.. ثم تمر على متجر صهرك،
فيقدم لك الاشتراكات، وتنطلق نحو الغابة، متطلعا إلى الشمس التي تصارع السحب ولا تعود
إلا بعد سنة في ليلة ليلاء . ..
-وأنا، يا سيدي؟
تساءل، معروف بن بادي شهر "موسطاش".فبادره الكاتب:
-مع الفلول الهاربة من جحيم ديان بيان فو، تعود، فتسرح من الخدمة، تظمأ الخمر، فتشربه
في رمضان وفي النهار.. يعرض عليك المسبلون الالتحاق بالغابة. ويعرض عليك الضباط
الفرنسيون رتبة عسكرية لتؤسس فرقة الحركة، وإثر سكرة شعواء، تعيد ارتداء الزي اللعين،
وتنغمس ,اشهرا واشهرا، حتى الليلة التي تؤمر فيها بتفتيش كامل منازل القرية.. حيث تدخل
منزل قدور الصائغي، وترفض الخروج تشتهي رهواجة.فتحاول إغرائها، تتأبى، وتغرقها في
الذهب، تسرقه وتستولي عليه من عجائز القرية، حتى تتزحلق رهواجة، وترتمي في
أحضانك ,ويوافق أبوها على زواجكما.. دون أن تعلما أنه أرسل يستحضر عمار بن بوجمعة
شهر" لاندوشين" ليلة العرس. ..
-سيدي. خالقي. الرحمة .
حاول معروف بن بادي ورهواجة ان يقاطعاه، إلا أنه واصل:
-تشتد بك ياعمار، الغيرة والحقد ,والكراهية، وتطغى عليك فكرة الانتقام، فتقرر، بدل إرسال
فدائي، قتحام القرية ,بالفرقة التي تقودها، وتقصد المنزل الذي يضم زوجتك وعدوك . ..
هناك. وفي هذه الليلة الليلا
هذا ما يجب أنت تحققوه الآن.. هيا أيها الأبطال. قوموا، بدوركم .اشرعوا في إنجاز المأساة ..
.
اعزفوا.. اعزفوا الأنغام.. . البطولة.. الخيانة ..الغدر.. الانتقام.. الدم.. الدماء.. قوموا
بدوركم أيها الأبطال.
ساد الصمت برهة ,اطرق فيها الابطال، والكاتب، ثم قال معروف بن بادي شهر موسطاش
وهو ينهض:
-يا للمصير.. . يقتلني عمار بن بوجمعة، لا بقي كومة من أخطاء الغير، تدوسني نعال
الحثالات العادية، وسط القطيع الأعمى.
وتمتمت رهواجة القالمية، وهي تتناهض أيضا:
-وأظل رمزا للخيانة والغدر والإثم.. تصطدم بي
الحثلات العادية وسط القطيع الأعمى.. يا للفظاعة.. . أما عمار بن بوجمعة شهر "لاندوشين"،
فقد همس وهو جامد في مكانه:
-يحاصرني العدو، فأستشهد، وإظل.. . سيدي الكاتب، حين كنت في محفظتك، اطلعت في
القصة المهملة أن الشهداء عادوا إلى الحياة، فاغتالهم الأحياء . ..دعني أفكر مليا سيدي.
امتص النفس الأخير من غليونه، وفتح عينه، ليجد نفسه وحيدا في غرفته، يحيط به الدخان
الأسود، وأمامه القلم والأوراق. ثم همهم:
-من الإنصاف والعدل، أن يطلع الأبطال - حقيقيين كانوا أم مزيفين - على مصائرهم، قبل
أن يبلغوها.
وألقى بالفصل الأول من القصة، في سلة المهملات ونهض يفتح نوافذ الغرفة ,ليتبدل الهواء
المخنق.. . وتطلع إلى الشفق، الذي تأبى السحب أن تدعه يحمر.
أفريل ١٩٦٤
الدروب_درر، درر، الليالي السود ماتت، البيضاء تقول للبيضاء والسوداء تقول للسوداء، الليالي
السود ماتت، درر، درر .
تغنى للنعاج، فتناغمت معه، بثغائها الجميل، وكأنما فهمته، بل، كأنما امتثلت لأمره، وراحت
تخاطب بعضها، البيضاء تقول للبيضاء، والسوداء تقول للسوداء، الليالي السود ماتت.
كان قد عدها، عشرون، ونظر إلى عصاته، واستعاد كعادته، عد الرشمات التي عليها،
عشرون.
عادة الآباء والأجداد، وعادة الرعاة، وعادة النعاج أيضا.
تأملها مليا، ثم أغلق باب الزربية، وبعد أن تأمل السماء مستطلعا أحوال الطقس، اتجه إلى
البئر، يجر يجر (عفاسه) فألقى بالدلو، وهزه مرات، يتحسس ثقله، حتى إذا ما تأكد من
امتلائه، راح، يسحب الحبل، مرة باليد اليمنى، وأخرى باليد اليسرى ,ثم ألقى بإحدى يديه في
الماء، فاستطاب دفئه، وتذكر قول أمه، الماء مبارك، يدفأ في البرد القارس، ويبرد في القيظ
الحار، لأن الصالحين يسهرون على كل بئر.
ثم أسرع إلى برميل كبير، من مخلفات الحرب العالمية مغطى بصفيحة مستديرة، فأخرج منه
قدرا من النخالة، حمله في سله عتيقة، واتجه إلى حيث أواني ال************، مزج النخالة بالماء ,
وانتظر لحظات، ثم صفر، مرات:
-مرباح، هبهاب، ويزة.
وإن هي إلا لحظات، حتى حضرت ال************ وتفرقت على آنياتها، تنهش وتزمجر، وتعلن عن
غبطتها بأذنابها، توقف هنيهة، ينظر إليها بإشفاق، فعما قريب، سينفذ فيها أمر المجاهدين
وتذبح.
إن المجاهدين، كالصالحين، كلهم خير وبركة، لكن ما دعوتهم بال************؟.
ثم فتح باب منزل عمه، وتدلف إلى الداخل، حي الضرائر الثلاث، إلا إنهن لم يجبنه، خصومة
ولا ريب في غياب الزوج، الأطفال يبكون، علامة الخصومة، ربيعة ليست في الباحة، يقين
إنها في فراشها تبكي، لأنها سبب الخصومة، ليتهاتطل، فيودعها بنظرة عطشى، ثم ينصرف.
-خالتي (عوقة) ها أنني عدت هل تأمرين بشيء.
خاطب خالته، الضرة الكبرى، رافعا صوته لتسمعه ربيعة، فأشارت خالته بيدها، ان أنتظر،
ثم دخلت بيت المؤونة، غرفة نومها وعادت بصحن قصديري ملفوف في منديل بالي:
-قليل من ( بوهزة) ( ١) لأمك قل لها ,خالتي تسلم عليك كثيرا سمعته ربيعة، فنهضت من
فراشها ووقفت في الباب، محمرة العينين ,
- - - - - - - - - - - - - -
1)بوهزة) نوع من الجبن، يصنع من اللبن والحليب، ويستمر كاملا لسنة يشبه بكثير أجبان ) (
الأوروبيين.
على خديها دمعتان، وعلى شفتيها بسمة ود، تأملها بعينين متبتلتين، عما قريب تغلق الخامسة
عشرة، تريبتي، كما تقول خالتي وأمي، ثم استدار حين ولت ببطء، وأغلقت الباب، ما أبلغ
حب ابنة الخالة حين تكون ابنة عم.
-تصبحين على خير يا خالتي العزيزة.
-تصبح على خير يا إبن أختي.
حي في طريقه عمه، الذي عاد في العربة الخشبية، يمهل الجياد، متقدما الخماسة، وهم
يسوقون البغال
العائدة بالمحاريث الحديدية، في أعياء باد، ثم واصل طريقه نحو الكوخ في المنحدر.
درر، درر، الليالي السود ماتت، البيضاء تقول للبيضاء، والسوداء تقول للسوداء، الليالي السود
ماتت، درر، درر بع، بع.
من يستنطق النعاج وتنطق له ,بالغ، راشد، يجب عليه الصيام، كمن يثنى حيطًا، ويديره بعنقه،
ثم يفتحه ويمسكه بأسنانه، ويمرره على رأسه، فهو بالغ.
الرأس تدخل في الخيط، والنعاج تنطق، السنة الماضية، صام خمسة عشر يوما فقط، وهذه
السنة ينبغي أن يصوم شهرا.
إنه رجل بالغ، ولو أن وجهه بدون شعر، رغم أنه يمرر عليه كل ربيع الفراشات المختلفة
الألوان ,ليخلف زغبها الشعر، كما يقول كل الرعاة.
وربيعة أيضا امرأة بالغة، فصدرها لم يعد مستويا، بل نبتت فيه رمانتان جميلتان منذ السنتين
الفارطتين، لقد صامت السنة الماضية، كامل الشهر.
بلغ الكوخ، وكان الظلام قد ضرب أطنابه، فسربل الكون ,واستقبلته أمه، على ضوء القنديل
المدخن، بابتسامات السرور،وسارعت تعينه على نزع(عفاسة) الجاف ثم قدمت له ماء ساخنًا،
وضعت فيه الملح، ليغسل قدميه، بينما كانت(معوشة) أخته تواصل غزل صوف خالتها.
-خالتي تسلم عليك، هذا شيء من (بوهزة (أرسلته إليك.
-يسلم عليك وعليها بالخير، حسنًا فعلت بإرسال(البوهزة (فإن عشاءنا بلا (بياض)( ١) ولا
) (كليلة)( ٢
معوشة، يامعوشة، ضعي الصوف من يدك ,وأيقظي أختك فالعشاء جاهز، وأخوك ينبغي أن
يستريح.
ما إن أتم العشاء، حتى أخرج المزمار من قلنسوة برنسه، عانق أخته الصغرى (توتة) ورجاها
أن ترقص له، تمنعت قليلا ,ثم نهضت وتحزمت بمنديل مدته لها معوشة، ثم قالت في خجل:
-هيا.
مرر لسانه على المزمار يبلله بريقه، وتساءل مبتسما أي (هوى) تريد، وعدد بعض ألحان
محلية(الهوى نالروس)، صالح أو عمي) (حوست بلاد السقنية وجبل أوراس) طيطة يا
طيطة). هذا هو "الهوى" الذي سيروقك ولاشك
ثم أغمض عينيه وأرسلها، نغمات جذلة راقصة، بينما كانت أمه تنظر إليه في إعجاب وود،
وتتمتم وعيناها مغرورقتان:
-نسخة طبق الأصل عن المرحوم، أبيه، يطرب، ويحزن من الأعماق.حفظك الله يا ضياء
عيني.
ما أن تم اللحن ,حتى ارتمت عليه توتة حيية منتشية، فعانقها،
- - - - - - - - - - -
0)البياض هو الحليب. )
2)الكليلة نوع من اللبن المجفف. )
ثم حملها إلى الفراش، فلحقته أمه، ثم أخته الكبرى معوشة، وانطفأ القنديل وتمددوا،وبينما راح
يتساءل في نفسه:
-يقول الرعاة أنهم لا يغلبون، يسيرون في الليل وفي النهار، ويمرون بكل مكان، ولكن لا
يستطيع أحد أن يراهم، هؤلاء المجاهدون من يكونون ا لقد تحدث معي اليوم غريب، ما أظنه
إلا منهم .آه، لو يعود غدا.
ألحت توتة على أمها، أن تفي بوعدها، فتروي لها أسطورة.
نامي يا ابنتي، فإن (الباهي) أخاك تعب، ويجب أن ندعه يستريح، إن المسكين ينهض قبل
العصافير، ولا يعود بعدها.
-قصي لها يا أمي، فإنني لا أشعر بالنوم.
-قلت لي أنك ستقصين علي قصة(بحباح المرتاح(
-آه (بحباح المرتاح (ياعزيزتي، جرو صغير، قصير القامة، أرقط اللون ماتت أمه المسكينة
ليلة ولدته وسط الثلوج والزوابع فاحتضنته جدته(ملحاسة) لتسهر عليه، وتتولى تربيته، وكان
ذلك في زمن المناطق،حيث كل الحيوانات والأشياء تنطق.
ولما كانت تحبه، حبا جما، لأنه حفيدها الوحيد،وآخر ما تركت المسكينة ابنتها في الحياة، فإها
لم تستطع أن تحسن تربيته،وافسدته بالدلال. فقد كان (بحباح) كلما رغب في شيء لو كان
صعب المنال، على جدته(ملحاسة)، يبكي ويحك أقدامه على الأرض،ويرفض الطعام.
-المجاهدون، قرروا ذبح كل ال************.
ردد الباهي في نفسه، وتذكرت معوشة، انها نسيت أن تبلغ أخاها الأمانة التي أرسلتها له
ربيعة، قارورة عطر صغيرة جميلة، بينما قاطعت توتة أمها:
-إنك قصصت علي كل هذا، لقد وصلنا إلى قص ذيل (بحباح المرتاح)، حين لم يعد باللبن
الذي أرسلته جدته ملحاسة في طلبه.
-آه. حسنًا، لما لم يجده البكاء واستعطاف جدته رضخ لشرطها، وغادر العريش، حاملا
حلاب اللبن، وهو يشعر بالخجل لأنه بلا ذنب وعيناه متورمتان من كثرة البكاء والعويل،
وكان الندى قد بلل الأعشاب والحشائش فلما بزغت الشمس، تلألأت أشعتها فوق الروابي،
فراقه المنظر رغم حزنه الشديد على ذيله، وخوخة من عدم العثورعلىاللبن فلا تعيد إليه جدته
ملحاسة الذنب ويسخر منه الأولاد في الأعياد وخيل إلهيه وهو يتأمل منظرلمعان أشعة الشمس
على قطرات الندى إنه أمام بحر من الفضة، حتى كاد أن ينسى مهمته، إلا أنه لما أراد نش
ذبابة لسعته، بذيله ولم يجده تذكر المصيبة التي ألمت به، ومهمته التي حمل الحلاب، وخرج
من أجلها.
تساءل بحباح المرتاح أين يذهب، فلم يقابله إلا قريب جدته، الذي زاره في السنة الماضية، يوم
العيد، وفي الطريق ظل يمني نفسه، بأنه سيجد ما يحتاج إليه من اللبن، وبأن جدته حين يعود
إليها بالحلاب مملوءا ستعيد إليه ذيله بسرعة، وترضى عنه، وتكف عن هذا الغضب.
ولما أبصر قريب جدته، متكئًا أمام عريشة، يستنشق هواء الصباح النقي، ودخان العرعار
ينبعث من خياشيمه، فرح واستبشر وبأدب واحترام فائقين.حياه، لكنه لم يرد إلا بنفث الدخان
في عينيه، ومع ذلك، لم يغضب أو يسئ الظن، وقال له بلهجة فائقة:
-جدتي تقرئك السلام، يا عمي قريبها
-ثم ماذا؟
-إنها ما تزال مريضة.
-مسكينة، ملحاسة قريبتي.
-وهي ترجوا أن ترسل إليها شيئًا من اللبن.
-لكن أين ذيلك؟
-نسيته في العريش، فأنت ترى، يا عمي قريب جدتي،أنني استيقظت مبكرا جدا.
ضحك الكلب الهرم، ضحكة كشفت عن كل أسنانه القذرة، وأغضبت بحباح المرتاح، لأنها
سخرية بادية، إلا أنه كتم غيظه، وقال لقريب جدته:
-إذن، لا تعطيني اللبن، يا عمي قريب جدتيى
-ويحك أيها المسكين المغفل، أتظن أن الثمن الذي ستدفعه لجدتك، مقابل ذيلك الجميل،
رخيص إلى هذا الحد؟ ابتعد عني، ولا تعد إلي أبدا، حتى تسترجع ذيلك.
قال ذلك الكلب الهرم، وهو يكاد يعمى بصر الصغير، بحباح المرتاح بالدخان، فلم يكن في
وسع المسكين أن يفعل، غير مغادرة المكان، خائبا ذليلا حزينًا.
لو كان يعرف فكرة أخرى، لسعى سعيا آخر، ولكنه يجهل كل شئ، فما العمل يا ترى؟ آه ما
أقسى قلب جدته ملحاسة، وما أقسى أيضا قلب قريبها، هذا الذي يسخر منه، دون شفقة
أورحمة.
-مسكين أنا.
قال ذلك، ثم وقف يفكر، وبعد لحظات رأى عنزة ترمق أغصان شجرة مورقة، وتتمنى من
صميم قلبها لو تبلغها ,فتشبع وتتخلص من الجوع الذي تعانيه، قصدها وقلبه يحدثه خيرا، ولما
وقف أمامها، بكل احترام حياها بأدب وقال لها:
-يا عمتي العنزة هل تصنعين جميلا، فتعطيني حليبا، والحليب لجدتي وجدتي كي تصفح
عني، وبعد أن تصفح عنى ترد إلي ذيلي الجميل فلا يسخر منى الأولاد في الأعياد.
حدقت فيه العنزة.ثم قالت:
-ليتني أستطيع أن أصنع معك هذا الجميل، فأنت صديقي، لأنك حين تكبر، ترد الذئاب عن
أبنائي وتحفظهم، ولكنك ترى أنني هزيلة وليس في ضرعي قطرة من الحليب ,أذهب إلى
الحقل، وحضر لي قسيلا لأعطيك الحليب.
أوصاها بحباح المرتاح بالانتظار حتى يعود بالقسيل، ثم أم حقلا قريبا من هناك، ووقف أمامه
قائلا، بعد أن حياه:
-ياعمى الحقل، هل تصنع جميلا ,فتعطيني قسيلا، والقسيل للعنزة، والعنزة كي تعطيني
حليبا، والحليب لجدتي، وجدتي كي تصفح عنى، وترد إلي ذيلي الجميل، فلا يسخر مني
الأولاد في الأعياد بحلق فيه الحقل كثيرا، ثم قال:
-أيها المسكين، هل تظن أنه يحصل شئ بدون عمل، إنني عطشان كما ترى، فاذهب،
وأحضرلي ماء يرويني، أعطك ما تشاء من القسيل.
أوصاه بحباح المرتاح بأن ينتظره ، حتى يعود بالماء، ثم قصد عينًا جارية وقلبه يقول له هذه
المرة، بأن ساعة الفرج قد دقت، لأن العين ليس لها كما يبدو ما تشترط عليه،ولما وقف أمامها
وحياها، قال لها:
-يا عمتي العين، هل تصنعين جميلا، فتعطيني ماء، والماء للحقل والحقل كي يعطيني قسيلا،
والقسيل للعنزة، والعنزة كي تعطيني حليبا، والحليب لجدتي، وجدتي تصفح عنى،وبعد أن
تصفح عنى ترد إلي ذيلي الجميل، فلا يسخر منى الاولاد في الأعياد.
فكرت العين قليلا، حتى ظن بحباح المرتاح، أنها ستقول له خذ ما تشاء يا عزيزي، لكنها لم
تقل ذلك أنما أجابته:
-أيها المسكين، أو تظن أنه يحصل شئ ,بدون عمل وعرق؟ إنني أعطيك الماء، ولكن أنت
ترى أنني لا أستطيع أن أصعد بالماء إلى الحقل، فاذهب واحضر فأسا، واحفر ساقية ليجري
فيها الماء، وأنا أعطيك ما تريد.
أوصاها بحباح المرتاح كذلك، بأن تنتظره حتى يحضر الفأس، ويعود، ثم ذهب إلى حداد،
حياه بكل أدب ثم قال له :
-يا عمي الحداد، هل تصنع جميلا، فتعطيني فأسأ والفأس كي أحفر بها ساقية، والساقية كي
يجري فيها الماء، والماء للحقل، والحقل كي يعطيني قسيلا، والقسيل للعنزة، والعنزة كي
تعطيني حليبا، والحليب لجدتي، كي تصفح عني وبعد أن تصفح عني، ترد إلي ذيلي الجميل،
فلا يسخر منى الأولاد في الأعياد.
فكر الحداد لحظات، ثم رفع بصره نحو بحباح المرتاح، وسأله:
-أيها المسكين، ما اسمك ؟
-اسمي بحباح المرتاح، ابن جدتي ملحاسة.
أجاب فرحا ,لأنه أعتقد أن الحداد، سيعطيه فأسا تعب عليها كامل يومه بدون مقابل، لكن
الحداد أضاف قائلا:
-أيها الغبي، أو تظن أن هناك شيئًا يحصل بدون عمل؟ إسمع، إنني لا اطلب منك أن تحضر
لي حديدا من المنجم، كي أصنع لك فأسا، لأننى أعرف أن ذلك صعب عليك جدا، لكن هل
تستطيع أن تعمل عندي أياما حتى أجد صانعا؟
-العمل، العمل ,لا شئ بدون عمل، لاشئ بدون عرق، الجميع يرددون هذا، العمل، العمل.
فكر بحباح المرتاح في نفسه، ثم راح يقلب النظر، في اقتراح الحداد ويدرسه بدقة وإمعان. لم
يسبق له أن عمل او عرق، رغم أنه ليس جرو غنى يدلل ال************، ويؤذي الخماسة والعمال.
-أمي، أمي،اسكتي.إنني أسمع حركة غير عادية.
قاطع الباهي أمه، وهي مستغرقة في سرد الأسطورة، لا لتوتة التي نامت منذ مدة، ولامعوشة،
فهي أنثى، ستغادرها ان آجلا أو عاجلا إلى بيت زوجها، وربما تكون ضرة على واحدة أو
اثنين، أو ثلاث، وربما ينجيها الله من الضرائر، وجهنمهن، لكن يبتليها بحماة شريرة، تعذبها
أشهرا ثم تسحرابنها فيطردها،انما تسردها للباهي،الباهي الذكر الوحيد في البيت، الذي
يعولهن، ويبسط جناح الاطمئنان على قلوبهن، لقد قصتها عليه منذ بدأ يفهم الحديث، واعادتها
على مسامعه أكثر من ألف مرة، لكن الدوام يثقب الرخام، ودروب الأطفال، مهما رسمت
بمعالم الرجولة، فإنها تظل غير آمنة، حتى يكونوا رجالا حقيقيين، الباهي رجل، رجل منذ
مات المرحوم والده بالتيفوس،رجل وعمره لا يتجاوز العاشرة.واليوم وقد مرت خمس سنوات،
تابع...

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://benaissa.ahlamuntada.com
 
موسوعة قصص لكاتبنا الجزائري العظيم طاهر وطار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات اصحاب امين :: منتدى الخواطر العربية :: قسم القصص و الروايات-
انتقل الى: